أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

158

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

الْقَوْلَ « 1 » وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ « 2 » تنبيه ألّا يؤكّد معهم عهدا بل حقّهم أن يطرح إليهم ذلك طرحا ، مستحثّا به على سبيل المجاملة ، وأن يراعيهم حسب مراعاتهم ، ويعاهدهم على قدر ما عاهدوه . قوله : انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها « 3 » أي ، اعتزلت وتنحّت ؛ يقال : انتبذ فلان مجلسه ، وجلس نبذة ونبذة أي : اعتزل ، بحيث إذا نبذت إليه شيئا وصل إليه . وصبيّ منبوذ ونبيذ نحو ملقوط ولقيط . قيل : لكن منبوذ يقال اعتبارا بمن طرحه ، وملقوط ولقيط اعتبارا بمن تناوله . والنبيذ : ما ألقي فيه تمر أو زبيب مع « 4 » الماء ، يقصدون بذلك تحلية الماء وعذوبته . ولذلك نهى الشارع عن الانتباذ في أوان مخصوصة ، لئلا يشتدّ فيسكر . وصار النبيذ في العرف العامّ اسما للشراب المسكر ، وإن كان النبيذ في الأصل إنما هو للشيء الملقى في الماء كالتّمر والفضيح « 5 » ونحوهما ، ثم أطلق على ذلك الماء الذي ألقي فيه مجازا للمجاورة ، ثم غلب على المسكر . ونابذت زيدا عهده ، يجوز أن يكون مما وقع منه فاعلت موقع فعلت ، نحو : سافرت وعاقبت اللصّ وطارقت النعل ، وأن يكون على بابه من المفاعلة ، وأنّ كلا منهما نبذ عهد صاحبه إلى الآخر . ن ب ز : قوله تعالى : وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ « 6 » أي : لا تداعوا به . وهذا محمول على ما إذا كان التلقيب مؤذيا لصاحبه . فأما إذا كان غير مؤذيه ، وفيه تعظيمه فلا حرمة . وكذا إذا لم يعرف إلا به ، وكان فيه مفسدة لو لم يذكر به ، كتضييع حقّ الغير لا سيما إذا روي عنه كالأعرج والأعمش ، حيث غلب على هذين . وكره سعيد بن المسيّب فتح الياء من

--> ( 1 ) 86 / النحل : 16 . ( 2 ) الآية بعدها . ( 3 ) 16 / مريم : 19 . ( 4 ) في الأصل : من الماء ، ولعل ما ذكرنا يناسب السياق . ( 5 ) الفضيح : نوع من التمر . وأفضح البسر : إذا بدت الحمرة فيه ، دعي بذلك لأنه يسكر فيفضح شاربه . ( 6 ) 11 / الحجرات : 49 .